المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المؤاخاة.. نظام اجتماعي متجدد


باقر الرستم
09-30-2009, 02:29 PM
http://www.labbake.com/media/pics/1221265288.jpg

(محاضرة عن طريق البالتوك لشهر رمضان لعام)
( 1429هـ، عن موقع لبيك يا حسين)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين..وصلى الله على محمد وآله الطاهرين..

في البدء.. أتوجه بالتحية للمشرفين على هذا البرنامج الرمضاني الكريم.. كما أتوجه إلى الأخوة المتابعين بالتحية والإكرام.. وبأشرفها .. بتحية الإسلام..السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

حديثنا هنا عن المؤاخاة.. والذي أثارني حين رأيته من بين العناوين المطروحة في محاضرات شهر رمضان، فاخترته ليكون حديثي بشأنه وفي أجوائه الرمضانية الكريمة..

عندما نرى الإسلام صاغ كثيراً من المفاهيم ليكِّون من خلالها أمةً ومجتمعاً يخالف الأمم والمجتمعات الغارقة في العشوائية والجاهلية فإننا سنلحظ مشروعاً مختلفاً في صياغة أواصر الوحدة الاجتماعية أو ما يسمى بالعقد الاجتماعي لأمته، حاله كحال المعطيات التي تفضل بها على هذه البشرية..

فالمؤاخاة ذات منحىً يتحرك لصياغة علقة ألفةً ومودة بين سائر المجتمعات المكِّونة لهذه الأمة الكبيرة والتي لا أمد لها إلا حشر الناس إلى ربهم..

الإسلام لم يأتِ بحدود الخطاب الفردي.. لينتج أحكاماً فردية، تصوغ الفرد ولا شأن له بواقعه العملي..إن شاء أن يستقيم أو إن شاء أن يكفر.. من حيث حق الإرادة فالإسلام كفل له ذلك ما دام الأمر على مستوى إيمان قلبه.. ولكن من حيث صياغة المجتمع القرآني الذي يريد أن يحكمه دينه فلا بد أن تكون هناك شريعة تتحرك بالمسلم على مسرح الواقع.. ولهذا كانت هناك أحكام ضابطة على مستوى القمة، وعلى مستوى القاعدة الشعبية، لذلك كانت هناك أحكام جزائية، من حدود وقصاص وديات وتعزيرات لمواجهة الانفلاتات التي تتجاوز الحدود(( تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون))..

من هنا كان للإسلام أن يصوغ عقداً اجتماعياً يتحرك فيه الفرد في إطار الجماعة المكون للأمة.. حيث أوجد عناوين البناء، وواجه عوامل الهدم..

فعناوين البناء تتمثل في صلاة الجماعة، والحج وصلاة العيد.. والأعمال ذات الصبغة الجماعية.. فيما كان خطابه للفرد ليتحرك باتجاه الجماعة كبيراً: المؤمن أخ المؤمن.. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.. والذي نفسي بيده لا يؤمن حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه)).. أما مواجهته لعوامل الهدم فقوله: (( ولا يغتب بعضكم بعضاً.. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه)).. وكذلك حرم النميمة والفتنة وما إلى ذلك.. وتوعد ذلك بأشد العذاب.. فيما في تحذيره للخلاف فقد حذر من عواقبه فقال جلا وعلا: ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))..

الإسلام كله بشرائعه بأحكامه.. بآدابه وأدبياته شكل عقداً اجتماعياً يعيش عليه وبه المسلمون، ويتحركون به ومعه ومن خلاله مع بعضهم..

لذلك صاغ الإسلام ما على المسلم أن يقوم به فيما لو رأى مسلماً يصرخ طالباً استنقاذ ماله من سارقٍ له، ولو كان ذلك من الأبعاد من الناس، فيما رسم له ما يقوم به حين يقوم شقيقه بظلم الناس ويسرقهم، أو حين يصرخ في حالة استرداد الحق منه..

إنه نظام علاقات متميزٍ لا يقوم على أساس القبيلة والأسرة والعائلة.. وإنما على أساس العدالة الإلهية.. فعندما تلتزم بذلك النظام، فإنك ستحظى برضى الله تعالى، وبالأجر والثواب، وعندما تتجاوزه ستبوء سخط الله تعالى وغضبه في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله..

مفهوم الأخوة في الشرائع السماوية وسع دائرة التواصل والإحساس بآلام الآخر، إلا أنه في ذات الوقت جعله في إطار الحق.. ولذلك قال تعالى عن ابن نوحٍ عليه السلام(( إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح)).. أي عندما يكون عملاً صالحاً يكون فاعله من أهلك.. ليدخل في دائرة (( إنما المؤمنون أخوة)).

مشروع الأخوة في الإسلام وباعتباره شريعة إلهية ترسم للمرء ما يصنع لآخرته.. أصبح عند كثيرين من الناس مسألة خاصة، تخص الفرد، ولا يمكن أن يتجاوز ما يُعرف بالأحوال الشخصية.

فيما مفهوم الأخوة في الإسلام يتجاوز ذلك العنوان ليجعله نظاماً يعالج الإشكاليات والمشاكل الاجتماعية، والتي من بينها محاربة الطبقية والاستثناءات والامتيازات القائمة على أسسٍ غير دينية.. أي على أساسٍ قبيلي، أو عرقيٍ أو زعامتي، وذلك من خلال مشروع الأخوة.

في هذا الإطار تذكر قصة رجلٍ متنعمٍ وهو مسلمٍ، وقد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وحوله حلقة من أصحابه، فلم يكن له مكانٍ إلا إلى جانبٍ فقيرٍ معدمٍ، فجلس ذلك الغني إلى جانبه، وقد لملم ثيابه كي لا تلتصق بالفقير، فانتبه له رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: أخشيت أن ينتقل إليه غناك، أم ينتقل إليك فقره)) فندم ذلك الرجل، وقال: لقد وهبتك نصف مالي، فقال الفقير لا أريده كي لا أكون مثلك..

إذن بخطاب النبي(ص) ذاك استطاع أن يزيح الإحساس بالفوقية على الآخرين بالمال عند ذلك الغني، فيما ساعد خطابه على إيجاد إحساسٍ بالعزة عند ذلك الفقير.
أساس مشروع الأخوة قائم على قاعدة صلبة لا يستطيع أن يتجاوزها الذين يرون لأنفسهم امتيازات خاصة.. وأساس تلك القاعدة أن أحكام الله تعالى ليس في حسابها امتيازٍ لأحدٍ وإنما هي قائمة على ثلاثة أسس:

الأول: العبودية المطلقة لله تعالى.

الثاني: أنها في حدود قدرة المكلف.

الثالث: تأخذ في حسابها طبيعة جنس المكلف، والتي لها خصوصية في قابليته واستعداده، ومناسبة التكليف له.

فيخاطب النبي(ص) الجميع بقوله: ((كلكم لآدم وآدم من تراب)) حيث على هذا الأساس لا يستطيع أحد أن يفاخر، ويجد نفسه في منئً من الإحساس بالآخر.
فإذن.. الإسلام لا يعتمد مفهوماً بعيداً عن الواقعية، وإلا لكان ديناً خاصاً بجماعة دون أخرى، ولزمانٍ دون آخر، وهذا يتنافى مع أبدية الإسلام، وقدرته على استيعاب الزمان والمكان، وأناسهما.

وهو هنا عندما يشعر المؤمن بهذا الدين أنه لا فرق في اللون، ولا في العرق.. حيث الجميع ينتمي إلى أبٍ واحدٍ.. وخلق الجميع من سنخٍ واحدٍ.. فيما مرجع دينه لا يحث ويحض على طعام المسكين فحسب، وإنما هو يعيش هذه الحالة ويأنس لذلك.. وعلى ضوء ذلك فإنه كلما اقترب من أجواء مرجعيته العليا.. مرجعية الكتاب، والسنة النبوية المتمثلة في النبي الأعظم(ص) فإنه سيتحرر من نرجسيته وإحساسه بالتعالي على الآخرين..

فتبسيط المسألة على أننا جميعاً لآدم، وآدم من تراب فيما يقول الله تبارك وتعالى(( إن أكركم عند الله أتقاكم)) سيساعد على تغيير مسار التفاضل ليبحث عن طريقة للتفاضل من صناعته هو، ليستحق ذلك من ذاته وجهده..

على هذا الاستعداد وللمسؤوليات التي تصاغ وتُنجز على مستوى الإسلام والشريعة كان لا بد أن يكون لهذه الأخوة مفهوماً حركياً، ومن خلالها صناعة الواقع الإسلامي المنشود.

نزل الوحي على النبي الأعظم(ص) في مكة.. أي في الحجاز.. أي في الجزيرة العربية.. حيث أخلاقيات جاهلية موغلة في الجهل.. ذلك القوي الذي يسلب الضعيف ويأسر أهله ويستعبدهم.. ويبيعهم في الأسواق.. يتزوج الابن زوجة أبيه.. وأد البنات.. قيمة المرء وعلو كعبه لقبيلته وليس لشرفه ذاتاً.. وجود ذوات الأعلام.. وعبادة الأصنام والحج إليها والنذر لها، وما إلى ذلك من العادات الموغلة في الجهل والخرافة..

العمل على تأليف مجتمعٍ أو أمة أو شعوبٍ على قيمٍ واحدٍ وهي على هذا الحال تظل عملية عسيرة جداً، ولذلك قال تعالى(( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفتَ بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم))، سورة الأنفال، آية 63.. حيث البناء العقائدي والأيدلوجي للإسلام، وأحكامهما من أوجد تلك الأجواء.

من هنا كان في الإسلام كما قلنا ما يصوغ الألفة، ولكن من خلال :

أولاً: إعادة الإنسان إلى أصله كمخلوق من تراب.

ثانياً: أن الإنسان مهما علا شأنه فهو عبدٌ لله.. وقد أوجب الله الشرائع التي لا يمكن للغني أن يتنصل منها ويتساوى فيها مع الفقير في الشكل والعبارات.. في صلاة الجماعة والجمعة وفي الحج.. ففي الصلاة كل حركات وسكنات وأذكار الصلاة يلتزم بها الجميع، سواء كان فقيراً أم غنياً، وفي الحج إحرام وتلبية وجمار وطواف وتهليل وتكلبير..ولا فرق في ذلك بين الثري الباذخ ابن القبيلة والفقير المعدم.

من جانبٍ آخر تجد من يعيش هذه العبودية الخالصة لله هو صاحب الرسالة في أعمق وأوصل درجاتها(( يا علي لا يعرف الله إلا أنا وأنت))، حتى نزل الوحي يخبره أن الله لا يريد منه أن يثقل على نفسه، فقال تعالى(( طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)).

من هنا لم يكن في الرسالة امتيازات لأصحاب الجاه وللقبائل الشريفة، وقد سخط على شافعٍ لابنة قبيلة قد سرقت فقال: (( لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)).

بل إن الرسالة التي أنزلها الله على بريته نزلت على رجلٍ كان يرعى الأغنام ويقوم بمساعدة عمه، فيما هو برسالته أشرف خلقه لعظيم ما تحمله وما حمله.

من هنا فعندما يشعر كل منتمٍ لهذا الدين بعبوديته لله تعالى وأن معبوده وهو ذلك الإنسان الغني عبدٌ لإله ذلك الفقير المعدم، وأن أحكامه واحدة ومن واحد.. ليكون شهر صيام الفقير هو ذاته شهر صيام الغني، وابن القبيلة، وصلاة الفقير المعدم هي نفسها صلاة الغني الفاحش في الثراء، والوقت هو الوقت، والمكان هو المكان، والقبلة هي القبلة.. عندها سيساعد ذلك على زوال روح الاستعلاء عند الغني وابن القبيلة وستعلو روح ذلك الفقير الذي قد يشعر بالذلة والمسكنة لفقره.. وعندما تتكرر الفريضة خمس مرات في اليوم فإنها ستقاوم بين الحين والآخر زهوه بنفسه، وستقاوم هناك مذلة الفقير لينظر الجميع بعين الله إلى الله وإلى عباده..

في ظل هذه الأجواء سيتحرك مشروع الأخوة بقوة ما لم يعترضه معترض!.

المشروع الذي يعزم على إقامته النبي(ص) لا يمكن أن يتحرك ما لم يأخذ المشروع حضوره العملي مكانته، ومن أجله يضع المحرمات التي تحرم الفرقة والتشتت.
هناك مشكلة حقيقة ابتلي بها الإسلام والمسلمين، وهم المنافقون والمؤلفة قلوبهم وقد يكون من هذا الفريق أو ذاك ما عُرِفوا بين المسلمين بالطلقاء، والذين يعتاشون على الفرقة والفتنة..

ولأن بواعث كل فريق من هذين اللونين إلى الإسلام مختلفة وقد يكون واحد إلا أنها بالتأكيد لن يكون الإيمان بالله، إذ قد يكون الخوف أو الخسارة في محاربة الإسلام فينحاز إلى الدخول فيه لتكون إصابته أوجع، أو يأخذ منه ما يستطيع، ويكون فيه الزعيم والقائد.

لذلك أوجد خطاً حاكماً يواجه هذا الاتجاه المنحرف داخل المجتمع الإسلامي، عندما قال(( حب علي إيمان وبغضه نفاق)) حتى قال أحد الصحابة (( كنا نعرف المنافق ببغضه لعلي)).. ليعرف المسلمون من يسعى لفرقتهم ويشتت قوتهم.

وحيث لا مفر من وجود هذا الخط فإنه لا بد من وجود نظامٍ إسلاميٍ تحكمه قوانين تضبط حراك مجمعه والتزاماتهم.. لا أقل تقلل من خطورة تحركاتهم، لعلها مع الوقت تسقط وتنتهي.. فأوجد حصة من الزكاة للمؤلفة قلوبهم ليحيدهم لا أقل، بدلاً من أن ينغمسوا في العمل ضد الإسلام والمسلمين.

مشروعاً أعلى وحراكه على الأرض طرحته الرسالة، وفيه تعقيدات تعقد عمل المنافقين الذي يتحرك من خلف الأستار ويحرك الأضغان والأحقاد، خاصة وأنه كما قلنا أن ذلك المجتمع المكون للإسلام كان مجتمعاً ممزقاً أكلته الحروب والثارات والتباهي بالقبيلة وما إلى ذلك.

لذلك كان مشروع المؤاخاة، والذي قام به النبي(ص) وفيه استيعاب شاملٌ لحقيقة وواقع ذلك المجتمع من خلاف فهم طبيعته ومكوناته.

طبعاً المشروع لم يخرج من دائرة مكة والمدينة؛ لأن هذين الموقعين باعتبارهما عاصمتين لذلك المجتمع.. عاصمة العبادة، وعاصمة النبوة والحاكمية.. مدينة الانطلاق ومدينة الاحتضان.. وما يترشح عنهما سيترك آثاره على بقية المجتمعات.. ولذلك لا بد من أن يأخذ مشروع المؤاخاة هذه الحالة بنظر الاعتبار.

ذلك المجتمع على صغره وقلة نفوسه إلا أن إيجاد الألفة فيه سيساعد على تعميم تلك الحالة على سائر الأمصار.

غالبية من جاء من مكة لا يشكلون ثقلاً قبلياً، وإنما كانوا من العبيد والأفراد، وقد سموا بالمهاجرين، ولم يكن في المسلمين من يشكل ثقلاً قبلياً إلا بنو هاشم..

في المدينة المنورة كانت هناك الأوس والخزرج، وزعامات وقيادات وما إلى ذلك، وقد كانت بين هاتين القبيلتين حرب داحس والغبراء أكلت شباب القبيلتين، والتخلص من تلك الروح لن يكون سهلاً..

إلا أن ما ساعد على ذلك أن أهل المدينة ولعل نفوسهم اللينة وتعبهم من الحروب والاقتتال وبحثهم عن أملٍ للخلاص جعلهم يقبلون على النبي(ص) ليكون مخلصهم.. فاستقبلوا النبي(ص) والمهاجرين استقبالاً حاراً ساعد على بلورة المجتمع الإسلامي المستقر.

وبالرغم من أن المهاجرين ذهب بعضهم إلى الحبشة، وأنهم ما جاءوا للمدينة إلا بحكم المنفي من بلاده إلا أن إحساس بعضهم بالزهو كان مبالغاً، ولذلك قام النبي(ص) بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.. وبين الأوس والخزرج.. بل حتى ما كان من المهاجرين سابقاً من العبيد وبين من قد يكون سيداً من أهل المدينة.. ليوجد تكتلاً ينسى التفاضل بينه على أساس جاهليٍ أو قبلي.. ليجعله أساساً إسلامياً.

وقد خصَّ النبي(ص) هذه الخطوة باهتمامٍ بالغٍ منه ليجعله عملاً أخلاقياً كبيراً، حفه بكل ما هو عظيم وجليل، لتكون من الأعمال البارزة والخالدة، والتي من خلالها أزال النبي(ص) الكثير من الفوارق الطبقية والعرقية والقبلية.. حيث آخى بين العربي والفارسي، وبين الرومي والعربي، والحبشي والعربي وهكذا.. حتى لم يشعر العربي بخصوصية الرسالة فيه عندما يسمع النبي(ص) يخص سلمان الفارسي بالانتساب إليه ليقول سلمان المحمدي.. أو سلمان منا.. وبلال الحبشي الذي قال(ص) عن لثغ لسانه(( سين بلال عند الله شين)).

على هذا المفهوم يمكن للمجتمع الإسلامي أن يتجاوز مصادر الفتنة والفرقة، ويمكن لخطابه أن ينتشر، ولشعوبه أن تتعايش(( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم))، لذلك كانت المؤاخاة مشروعاً لصياغة الأمة الواحدة للحاكمية الواحدة، حاكمية الإسلام.

وعلى هذا الأساس يمكن أن يتبادل شعوب هذه الرسالة حسناتهم، وأن يعالجوا سلبياتهم.

مؤاخاة النبي(ص) بعلي:

وسنام هذه المؤاخاة مؤاخاة النبي(ص) لعلي(ع) حيث مثلت قمة الرؤية الواضحة للمشروع الواضح.. لما لهذه الأخوة من دلالات غير تلك الدلالات التي كانت تثريها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.. حيث هناك بناء المجتمع الواحد، والأمة الواحدة، وإزالة مفاهيم التفاضل بالقبيلة والعرق، وقد قال النبي(ص) مرة وقد أججها عبدالله بن أبُي بن أبي سلول(( دعوها إنها منتنة)) يقصد الجاهلية.. وقد تواقفوا للقتال.

البناء الآخر الذي أدخله النبي(ص) في مشروع الأخوة هو الخلافة من بعده.. فما دام خليفته نفسه(( وأنفسنا وأنفسكم)) و(( لا يؤدي عني إلا رجلٍ كنفسي)) و(( علي مني بمنزلة الرأس من الجسد)) فلا بد أن تُخص تلك الأخوة بخصوصية الرسالة..

فعندما يقول (( لا يؤدي عني إلا رجلٍ كنفسي))، فهذا يعني أن هذا البناء خاص، لا يمكن أن يكون كأي بناء في المجتمع الإسلامي، وإنما هو في بناء القيادة الإسلامية.. بناء الامتداد، الذي هو بعنوان(( لا يؤدي عني إلا رجل كنفسي)).

هذه الخصوصية لم تنحصر في الأخوة وإنما تجاوزتها إلى ما هو أبعد من ذلك.. حيث المصاهرة الحقيقية، ليتزوج علي(ع) من فاطمة(( إن الله أمرني أن أزوج علياً من فاطمة)).. فإذن المؤاخاة والمصاهرة أبعد ما تكون عن ذلك العنوان الذي أراد منه النبي(ص) بناء مجتمع.. هنا أراد منه بناء قيادة من سنخه، لتواصل مسيرته.. لذلك كانت الإمامة والولاية والخلافة.. فكان(( علي وصيي وخليفتي عليكم من بعدي)) و(( من كنت مولاه، فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما دار)) ليكون كما قال(( علي مع القرآن والقرآن مع علي))، و(( علي مع الحق والحق مع علي)).. وختاماً..

(( من أراد أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدنٍ التي وعدنيها ربي، فليتبع خاصف النعل، فلتفتوا وإذا به علياً))..

بمشروع بناء القيادة اكتمل مشروع المؤاخاة، لذلك كان له هذا الخلود، بخلود الرسالة وعالميتها وأخرويتها..

نسأل الله تعالى أن يعمق فينا الأخوة التي كان ينشدها رسول الله(ص) في أمته، لنعيش بها أيام حفيده الحجة بن الحسن، بلغنا الله أيامه، ورزقنا رضاه ورأفته ورحمته..

والحمد لله رب العالمين.. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين..
السبت/ 12/ رمضان/ 1429هـ.. باقر الرستم

أبوأحمد النضالي
10-29-2009, 12:37 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


كلمات مليئة بالمعرفة، وقيّمة حينما تجد لها صدىً على الواقع المعاصر، والذي قد مارس بعض أنواع المخالفات لمفهوم الأخوة الحقيقي .. لا أملك إلا الشكر لهذه البادرة الجميلة، وخصوصاً في شهر رمضان المبارك الذي يملي على النفس الكثير من أنواع السكينة والوقار والتوجه نحو الخالق البارئ.


أمنية:
أمثال هذه الكتابات يجب أن لا تقف في حدود التدوين!! بل هي بحاجة إلى مرحلة أخرى وهي: التوثيق والمداومة على إشباعها ليتسنى للكاتب والقارئ فيما بعد الاطلاع على مشروع من مشاريع الرسالة المحمدية.


أخوكم
أبوأحمد النضالي

نهج البلاغة
04-05-2010, 05:21 PM
بِاقِرَّ الرُسْتمّ

الْلَّهِ يُعْطِيَكَ الْفِ عَافِيَةٍ
بومحمِدّ جَزَاكَـ الْلَّهَ الَّفَ
خَيْرٌ نَنْتَظِرُ الْمَزِيدْ مِنْكَـ

بِأَمَانِ الْلَّهِ